الحلبي
238
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
العرب فيهم من كثرتهم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كذلك عبرها الملك سحيرا » . وسبب بناء عبد اللّه بن الزبير للكعبة أن يزيد بن معاوية لما وجه الجيش عشرين ألف فارس وسبعة آلاف راجل وأميرهم مسلم بن قتيبة لقتال أهل المدينة ، لما علم أنهم خرجوا عن طاعته : أي وأظهروا شتمه وأعلنوا بأنه ليس له دين ، لأنه اشتهر عنه نكاح المحارم وإدمان شرب الخمر وترك الصلاة وأنه يلعب بالكلاب : أي فقد ذكر بعض ثقات المؤرخين أنه كان له قرد يحضره مجلس شرابه ويطرح له وسادة ويسقيه فضلة كأسه ، واتخذ له أتانا وحشية قد ربضت له وصنع لها سرجا من ذهب يركب عليها ويسابق بها الخيل في بعض الأيام ، وكان يلبس عليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر . وقد استفتى الكيا الهراسي من أكابر أئمتنا معاشر الشافعية ، كان من رؤوس تلامذة إمام الحرمين نظير الغزالي عن يزيد هذا هل هو من الصحابة ؟ وهل يجوز لعنه ؟ فأجاب بأنه ليس من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب . وللإمام أحمد قولان : أي في لعنه تلويح وتصريح ، وكذلك الإمام مالك وكذا لأبي حنيفة . ولنا قول واحد التصريح دون التلويح ، وكيف لا يكون كذلك ، وهو اللاعب بالنرد والمصيد بالفهود ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم ، هذا كلامه . وسئل الغزالي هل من صرح بلعن يزيد يكون فاسقا ؟ وهل يجوز الترحم عليه ؟ فأجاب بأن من لعنه يكون فاسقا عاصيا ، لأنه لا يجوز لعن المسلم ، ولا يجوز لعن البهائم ، فقد ورد النهي عن ذلك ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويزيد صح إسلامه وما صح أمره بقتل الحسين ولا رضاه بقتله ، وما لم يصح منه ذلك لا يجوز أن يظن به ذلك ، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام ، وإذا لم يعرف حقيقة الأمر وجب إحسان الظن به ، ومع هذا فالقتل ليس بكفر بل هو معصية ، وأما الترحم عليه فهو جائز بل هو مستحب ، لأنه داخل في المؤمنين في قولنا في كل صلاة : اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، هذا كلامه . وكان على ما أفتى به الكيا الهراسي من جواز التصريح بلعنه استاذنا الأعظم الشيخ محمد البكري تبعا لوالده الأستاذ الشيخ أبي الحسن . وقد رأيت في كلام بعض أتباع أستاذنا المذكور في حق يزيد ما لفظه : زاده اللّه خزيا وضعه ، وفي أسفل سجين وضعه . وفي كلام ابن الجوزي : أجاز العلماء الورعون لعنه ، وصنف في إباحة لعنه مصنفا . وقال السعد التفتازاني : إني لأشك في إسلامه ، بل في إيمانه ، فلعنة اللّه عليه وعلى أنصاره وأعوانه ، وعلى هذا يكون مستثنى من عدم جواز لعن الكافر المعين بالشخص .